السبت، 8 مايو 2010

غرابة وغربة

نوفرة شامية

دمشق

شاهر الخضرة

إلى الشاعر المجدد الكبير يوسف بن رزوقة بعد قراءتي لشعره

في جلسة مع نخبة من المفكرين والشعراء تشعبت بنا السبل في أن يقول كل منا رؤيته وتوجهه في الشعر مكتوبا فكانت لي هذه الورقة السريعة :

لست أستاذا على أحد ولا عضوضا بحكم الفهم فلكل قارئ مزاجه وخلفيته الثقافية فما في الدنيا بخيل كما يقال فمن لا يجود عليك يجود على غيرك والجود ثمة مصالح نفسية فيه مادية أو معنوية والمصلحة والإرادة قطبا الإنسان الفرد والمجتمع ، أقول هذا الاستهلال وأنا ربأت بنفسي أن أضعها بين ظفري المصلحة بوجهيها مع أنني غارق حتى قمة رأسي شعريا في بحر المصلحة النفسية " شعريا " فعندما قرأت في منتدى القصة العربية نصا إبداعيا لاحظت قراءة بعض الأخوة للنص ليست في مصلحة النص الحقيقية كما هو عليه وكما أقرأ الشعر رغم مشاغلي التي تحول بيني وبين الكتابة عموما والتعليقات الذاهبة أدراج الرياح فقد قدمت رأيي أو مداخلتي حول تفكك النص وعدم عثور القارئ على روابطه أو وحدته وهذه قراءة صعبة تتطلب التركيز والجهد والتمثل أي تمثل الكتابة الشعرية وكأن القارئ يقرأ ويكتب النص ثانية ليولد قراءة تخص القارئ والنص وليست القراءة النهائية ولكنها كقراءة تزيح الفجوات التي هي من طبيعة القصيدة لتلحمها سردا ، لتلين عريكتها وتهدأ عن جموحها وتقبل الضوء الذي يجفلها ويجفل شاعرها أحيانا إما بسبب مخالفة القراءة لما قصد الشاعر من رسالة أو بسبب إرادته في التغميض إن لم يكن في التعمية ولذلك فقلة من الشعراء الحقيقيين من يعترفون بأن القارئ سبر أعماق القصيدة وتماس مع أعماق كاتبها وهؤلاء القلة من الثقة بالنفس وبالشعر وبالقارئ أيضا .

المكان الحقيقي للنشر الأولي في عالمنا عالم المجاملات والحياء هو وضع نص لا نعرف صاحبه على المشرحة وبما أن الدكاترة المشرحين باتوا يعرفون ملامح أجساد مرضاهم ورائحة رشح عرقهم فباتوا أو عليهم أن يؤدوا مهمتهم كطبيب ويمضوا ، ولكني أتحدث في عالم مثالي أو أكاديمي نزيه وهذا النادر لا حكم عليه ولا قياس به كون النفس البشرية خليط من العواطف السلبية والمثالية ولست ممن يدعون البراءة من المثالب النفسية في تعاملي مع النصوص كما مع أصحابها فلربما نستر عيوب نص لكاتب نحب وننأى بالقارئ إلى الضوء المشع في النص وإن لم يكن موجودا فنشعل الفتائل الخفية في الكلمات أو نجعل القارئ يتخيلها إن لم تكن موجودة وهذا عين الخداع في النقد والقراءة ولكن ماذا نفعل والمصلحة بظاهرها وباطنها توجه الكتابة ومن لا يحس أننا نعامل نصه كما أقول فالمشكلة كامنة كمون رهبنة بين العقل والقلب ، وكون الطبيعة البشرية لا مناص من الامتثال لنواميسها ، أجدنا مذبذبين حسب مرورنا بقوى الجاذبية التي تحتويها النصوص والجاذبية كما في معرفتي العلمية المتواضعة قوتان قوة الجذب وقوة النبذ ، وفي جسدي أيضا ككل الأجساد هاتان القوتان من النبذ العقلي والجذب القلبي وما في تلاقي أو تصادم تلك القوى متعاكسة أو متوافقة فإن متعاكسة تحدث الشرارات الكهربية التي تولد بروقا وتحدث رعودا وتفجر صواعق بين فعاليتي الجذبين والنبذين ورغم ذلك قد يهطل المطر وفيه خِيرٌ وفير ، وإما بالتوافق فيقع الجذب على الجذب والنبذ على النبذ فيتلاقون لقاء التوتر الذي يتخاذل ويتراخى وتولد البرودة وينحل سر كل فعالية إلى التلاشي فإما الموت وإما التنائي ليبحث كل عن جوّ يعيش فيه خانقا كان أو وسيعا خواؤه كطبل .

**************

ليس من طبعي الشعري ( فقط ) أن أقرأ الشعر لأتسلى أو أتحلّى أو أرشّه على جرح أو لأنفخه كنهدة على جلد مزاج متقرح فقد يمتع الغناء بصوت جميل أكثر وقد يكون عصفور لا يرجى فهم زقزقته أخف ، أو حتى فحيح أفعى في فخ أشنف، لقد قرأت شعرا يوما وترك لدي تراقصا في الأحاسيس وانطباعا فيها كما تترك خلاعة مؤخرة راقصة من الشهوة وقد تعصى على النسيان في الذاكرة ولكني بعد عمر طويل من خبرة في الجسد جعلت العقل يضخ كما القلب طاردا ترسبات الرمل الدموية إلى الأسفل لتجد لها مخرجا بفصد أو بإرادة عضلة ما ، ورضيت لهذا العقل ما وصل إليه من وضاءة ارتضاها لفكره فرفعت ما يسمّى الذوق من حالته العفوية حد السذاجة أحيانا إلى مكانة الفكر نازعا عنه براءته ليكون ذوقا مركّبا جذوره العقل وفروعه وقطوفه تمتد من الفوق إلى الأدنى في القلب كما نبتة النيلوفر ، متمثلا ذوق الصوفية التي يُظن في ظاهرها أنها تعتمد القلب في تذوق الكلمات ولكنها رفعت القلب إلى طبيعة العقل وضخت في العقل ما للقلب من قوة في العشق الإلهي فخلص الجسد من ثنائيته التي "تعشش في البدائي" وصار أحدا في استقبال النور كما في استقبال الظلمة ، ولعل هذه الأحدية مازالت لي هدفا أثابر في تحصيله ، بكل قناعة أن الربح في هذا ربح لا يعني الكثرة ، والقلة إن رأته فلا تزيده طولا ولا عرضا .

هذا السجن سجن اختياري يروق لي أكثر بآلاف المرات من باحة السجن أو من خارج أسواره لا لأني لا أعشق الحرية بل لأن الحرية هي حرية الاختيار في انطلاق العقل لا في انطلاق الأقدام الحافية ، بناء على هذه الغربة والغرابة كسرد عن سيرة خاصة شاذة أو مألوفة للقليل صرت أقرأ الذي يصعب فهمه وأجهد الذات وأبذل الوقت تلو الوقت لأرتقي بالعقل أو بالنفس لمكانة عقل ما أقرأ فقد أصل وقد يخذلني الظرف فضلا عن المكنة الذاتية ولكن لا أقبل الهزيمة وكدأب نملة ترقى جدارا أناضل وأناضل فإما ينفتح النص وإما أحيله إلى نضوج قادم للعقل .

الشعر أيها القارئ الكريم يشبه مساحات المياه على الأرض ، الجدول يشبه خلية في جسد والنهر عدة مسامات وبحيرات كذلك وبحار تشبه عضوا فيه ولكن خضم المحيطات هي أس الكون المائي لتوازن الحياة على الكوكب ، فليس كل سابح مطلوب منه أن يمخر أخطار العباب وعلى من لا يجيد السباحة أن يبقى متنزها على ضفاف ضحل المياه ، فمن غير المعقول أن نضع الفتوحات المكية لمحي الدين ابن عربي ورسائله في مصاف شاعر كأبي الشمقمق مثلا ولا رسالة الغفران للمعري وقرآنه ولزومياته في مرتبة البوصيري أو حسان بن ثابت ولا شعر نيتشه وجوته كريلكه فالشعر برأيي وقناعاتي التي لا ألزم أحدا بها ليس ما يحبه عدد الناس فقط ونحن العرب لم نصل إلى فصل الغناء عن الشعر وإن كان الغناء جزءا من الشعر ونحن العرب ما زلنا نعتقد أن الشعر من الشعور وهذه الملكة التي لا يختص بها أحد عن أحد فهذا أبو العلاء يقول :

جسدي خرقة مشدودة إلى الأرض * * * فيا خائط العوالم خطني

وهذا شاعر يقول :

أحبها وتحبني ويحب ناقتها بعيري

الكل شعراء عند الناس ولكن العقل هو من يجعل القارئ الرفيع يقول هذا شعر بالمعنى الساذج وذاك شعر يوازي العقل في كل الأجيال مهما ارتقت المعارف والحضارات وتقدمت العلوم وتفتحت العقول بالتطور ، ومع ذاتية القول والمزاج لا أشجب رأيا في شعر لمزاج آخر ، فإنني لست مدرّسا ولا مربّيا ولا شيخ كتّاب ، ولا منظّرا لمدرسة في الأدب والشعر ، إنها كما أسلفت آراء استجليت غربتها وغرابتها من كد يخصني لا لأقنع بها أحدا ولا لأجمع أصواتا عليها وتمثلي لها في كثير مما أكتب من شعر هي محاولات عقلية بقدر محاولة التفرد بقدر التوازي مع فلاسفة الشعر العظماء .

shaherkhadra@yahoo.com

الخميس، 25 يونيو 2009

نوفرة دمشقيّة
قراءة في مجموعة قصصيّة
«عملاق الطوابق العليا» للقاصة هيمي المفتي
شاهر الخضرة ـ دمشق ـ
في زمن اختلط فيه الحابل بالنابل والغث بالسمين وتمازجت الألوان لا لتشكل قوس قُزحٍ بل لتكون عالما من خليط عبثي ، تعجز العين عن تحديد هويته ، وتساهم المطابع سواء كانت رسمية أو خاصة بهذا الكم من الكتب والكتّاب ، يكاد المتابع أن يكتفي بقراءة العنوان ، ويمضي دون أن يذكر بعد ذلك لا العنوان ولا الاسم المطبوع على الغلاف ، وبالرغم من هذا الخضمّ السرابي في أكثريته ، لا يضعنا اليأس على حافة اللامبالاة فنصادف أحيانا كتبا في شتى مجالات الأدب ، من قصة أو رواية أو شعر ، تجعل القلب يعود إلى طمأنينته لأن هذه الحياة لا نعدم فيها مواهب حقيقية ، تجعل الإبداع بخير والكتابة ليست في عالمنا ذي الهموم والشوائب الماديّة الطاحنة دون جدوى ، وإن كنت أحاول دائما أن أتخلّص من تأثير الأسماء التي يتداولها الإعلام لأقرأ أدبا بعيدا عن تلك الضوئية ، التي قد يستأهلها صاحبها وقد لا يستأهلها ، فأرى أن جوهر العالم رغم كل ما يتراكم فوقه من تراب هو جوهر خالص قد تكون الظروف تزيد من تغطيته ، وقد تسنح الفرص باكتشاف هذا الجوهر الذي نعوّل عليه في إنسان هذا الكون ، الذي يصفه كبار الجوهريين بأنّه سائر إلى الخراب وأن إنسانه يعيش بنفس يملؤها اليباب ، قصدت من هذا التقديم أن أصل إلى أنني في الآونة الأخيرة قرأت كتبا كتبت بلغتنا العربية لشباب يحملون في ذواتهم جوهرا إنسانيا حقيقيا من خلال ما يكتبون ويبدعون ، ولن أعدد هذه الكتب وتلك الأسماء لمفهوم التعداد أي بأن أضع قائمة تحمل أسماء الكتّاب وعناوين كتبهم ، بل بدأت بالكتابة عن كتب هؤلاء الكتاب الذين قرأتهم ، وكما أسلفت ليسوا في دائرة الأضواء الإعلامية ، أي لست واقعا تحت تأثير عمل غير ما تحتويه تلك الكتب من إبداع حقيقي ، وأنا لا أقوم بعمل نقدي بمفهوم النقد المعروف إنما أكتب ما تركت من تأثير عليّ تلك الكتب كقارئ فأنا هنـا أقرأ هــذا التأثير قراءة مكــتوبة ليس إلا .
من تلك الكتب مجموعة قصصية تحمل عنوانا ( عملاق الطوابق العليا ) للكاتبة الشابّة القاصّة السورية «هيمى المفتي» الصادرة عن دار الحصاد للطباعة والنشر ، تضم هذه المجموعة عددا من القصص القصيرة ، هذا الفن الذي بات معروفا في أوساط القصة الأدبية وله روّاده وله مريدوه ، عمدتُ إلى قراءة المجموعة القصصية ، قبل أن أقرأ المقدمة التي كتبها الشاعر السوري الكبير عبد القادر الحصني كي لا أقع تحت تأثير كلماته في رأيه الذي ما أردت معرفته قبل أن أصل إلى رأي ذاتيّ بعد قراءتي للقصص ، وبعد أن أنهيت قراءة المجموعة ، عدت إلى المقدمة ، قرأتها ، فوجدت أن عبد القادر الحصني رغم أنه قال قد ترك الباب مفتوحا لقراءات أخرى، ودراسات أخرى، ومفاهيم نقدية أخرى إلا أنه كقارئ فذّ جعل آرائي يُرتَجُ عليها فيما قاله في قصص هذه المجموعة المتميزة بحق لهذه الكاتبة التي نحن بين يدي مجموعتها القصصية، أي «هيمى المفتي» ولا أزيد ولا أزاود عليه، حين يقول : «أنا على ثقة بأن اسم «هيمى المفتي» سيكون في حال وجدت قصصها نقدا ودراسة ومقارنة وموازنة وتقويما ،، في حال وجدت هذا النقد، ستكون «هيمى المفتي» اسما مؤسسا في إطار المغامرة لترسيخ هذا اللون من القص» فما يراه الشاعر عبد القادر الحصني وأوافقه عليه بل وأتعلّم من قراءته حيث هو يقول : في قصص «هيمى المفتي» سرديّة جديدة موائمة لهذا اللون من القص «القصة القصيرة تقوم على تسلسل المتواتر السريع الخاطف المتعزّز بالطاقة التلويحيّة والناقل لإحساس المتلقّي من قصر المسموع إلى إسهاب المتمثّل والمقنع للفكر والنفس معاً للوصول إلى الامتلاء الغامر، مع الضربة الأخيرة التي يوقعها النص في آخر كلماته» .
إذن أكثر القصص في هذه المجموعة تقوم على توصيل فكرة ولكن ليس بالطرح الفكري المجرّد، وإنما بهذا الأسلوب الفنّي، الذي يقول شيئا ويضمر شيئا آخر أو حتى أشياء أخرى من حيث المعنى الذي قد يتفق عليه قارئان أو لا يتفقان فيما وصلهما من معنى، إن «هيمي» بالمجمل في هذه القصص تحسن الخاتمة بدقّة عالية، دون أن تكون ضعيفة وهي تسير بالقارئ نحو تلك النهاية أو الخاتمة، فهي تجيد فن السرد بلغة شفيفة رائقة، وبمستوى فنّي يخصّها حيث تؤدّي بالسرد من خلال القراءة إلى الخاتمة التي تعتبر توقيعا محكما خاصا لها ، فيما تريد من معنى تضعه للقارئ بهذه القصص كالقصة التي تحمل عنوانا (وجهة نظر):
[
شعر الحائط بالغضب . . لقد شفي توّا من آثار الجروح والكلمات بعد أن جاء من رمّمه وطلاهُ بلون أبيض جميل .. ثم تأتي بعض المسامير اللعينة لـ . .
سامحني يا صديقي قال أحد المسامير بأسف . . لم أقصد أن أشوّه وجهك . .
لكن لكثرة الطرق على رأسي ، اخترقتك مرغماً . .
قاطعهُ مسمارٌ ثان بصوت واثق :
بل لضعفك وهشاشة عظامك . .
دون أيّ شعور بالذنب ، تابع المسمار طريقه في جسد الحائط . ]
أضعها كمثال لا لكي أمسح بها كل القصص في المجموعة فالمجموعة لا تكرّر نفسها في قصّة وأخرى ، فلكل قصة عالمها وطريقتها ، هذا مع تأكيدي أن الكاتبة لها أسلوبها المتفرّد المتميّز بأنْ هذا صوتها الخاص ، رغم ما قامت به من كتابة كنصٍّ على نصّ في قصص معروفة للجميع سابقا إلا أنها أرادت قلب المفاهيم المعروفة عن تلك القصص في الذاكرة الشعبية بأن تختم فكرتها برؤية «هيمى» الخاصة كقصة (ساندريلاّ النهاية الحزينة) و(حمض العنب) و(خسارة الأرنب في سباقه مع السلحفاة) و(عصافير الشجرة)... فقد أرادت «هيمي» أن تقول إن هذه القصص تبقى قصصا عاديّة لو كرّرنا حكايتها، فعلينا النفخ في أكمامها برؤى غير عاديّة لنحصل على ولادة جديدة لتلك القصص فالإبداع هو {كتابة غير عاديّة عن أشياء مألوفة عاديّة}
بالطبع ليست كل القصص في المجموعة بمستوى واحد فهنالك قصص قوية جدا، وقصص رائعة جدا، وقصص معقولة، وقصص وسطية في المستوى ، إلا أنها الأقل، فأكثر قصص المجموعة منتقاة بعناية واختيار رفيع لهذا النمط من القصة القصيرة.
ثمّة ملاحظة التقطتها خفيّة ومواراة ، في أكثر قصص هذه المجموعة وهي قاعدة تمسح معظم القصص وأراها النقطة المركزية الخفيّة وأقصد فيها «الفشل» فما وصلني مما تعنيه الكاتبة وراء الظاهر هو حالة الفشل التي تعم أكثر حالات الشخوص التي حكتها القصص ، وهناك من يقول في النقد أن القاص لا يجوز إسقاط شخصيات قصصه على ذاته كما نسقطها على الشعر والشاعر ، إلا أنني لا أدع مثل حالات الفشل هذه تمر دون أن ألاحق جذورها في نفسية الكاتبة ، لأن الكتابة مهما اختلفت هي أولا وأخيرا نابعة من ذات الكاتب وعاكسة نفسه أحيانا مع الوعي وأكثر الأحيان سوى ذلك .
وإذا أردت تبرئة الكاتبة على هذا المأخذ النفسي من تلك الملاحظة ، التهمة ، أقول ربما أنني قرأت وعكست ذاتي في هذا الفشل الواضح والمتواري معاً .
وسأضع جملة أخيرة من كل قصة مراهنا أنها لوعكف عليها شاعر من الحداثيين لجعل من هذه الجمل،، خواتم القصص،، قصيدة نثر :
(
لماذا لا يقطن الطوابق العليا سوى الأقزام ؟)
(
وجدت جثة أخي)
(
فوجئ بطبقة الغبار الكثيفة فوق مرآته)
(
ذلك المتفرّد المختلف المتميز بدا مجرّد عصفور عادي)
(
لم يكن قد أخبرها بأنه مصاب بعمى الألوان)
(
فقد فقَدَ لونه )
(
من جديد شعرت بالاختناق )
(
جلستُ وحدي أنتظر غيابك )
(
اكتشف أنه لا زال واقفا في مكانه )
(
حيث تركلها الأقدام)
(
عاد إلى منزله وتناول ما تيسّر. . . . عنقودا من الحصرم)
(
واحدا بعد الآخر انسحبنا من مخابئنا معلنين الاستسلام)
إلى آخره .....
وقبل أن أنهي هذه الكلمات السريعة أقول إن بعض القصص شفّت وارتقت إلى أبعد من القصيدة في شعريتها فقصة بعنوان (... كرة)
تحكي عن حبّة مسبحة وقد سئمت من تكرار الدوران في خيطها ، قيدها ، ومن ديدن اللحاق بأخواتها ، في هذا القيد ، وما أن انقطع الخيط وانفرطت حبّات المسبحة وتدحرجت على الأرض شاعرة بحرّيتها «تتدحرج باتساع المكان دون قيد حيث تميد بها الأرض ، أو حيث تركلها الأقدام».
وثمة آراء شتّى تتفق على أن الشعر والقصة القصيرة تهدّمت الفواصل بينهما واستفاد كل جنس أدبي من الآخر دون تحديد وتأكيد من أخذ من الآخر أكثر ، وإذا كانت «هيمي المفتي» تكتب وتسمّي ما تكتب قصة قصيرة، فالعديد من قصص مجموعتها (عملاق الطوابق العليا) تتأجّج شعريّةً ما بين خيال وسريالية وبواقعية أيضا، مثل هذه القصص قريبة جدا من النصوص الشعرية ، لكنّها أخذت الأسلوب السردي بقصدية لتحقق له هذا البعد فيما ذهبت إليه . .
لتكون جملة الشاعر عبد القادر الحصني ليست مقولة جزافيّة :
ستكون «هيمي المفتي» اسما مؤسسا في إطار المغامرة لترسيخ هذا اللون من القص.
shaherkhadra@yahoo.com

الخميس، 21 مايو 2009

حركة الحداثة وتأثيرها على الشعر باللغة الدارجة



هنالك من يقول إنّ العامّية بنت الفصحى ولا يتعصّبون لواحدة منهما على أخرى، وهنالك من يرفض كلّ ما يكتب باللغة الدارجة ويرفضون تسميته أدبا أصلا، والبعض يقول - تقليلا من شأنه - (زجل شعبي) أو (غناء شعبي)، وإذا كان قليل التعصّب قال هو شعر شعبيّ.

لقد أتيح لي أن أطلع على أكثر التجارب الشعرية الهامّة، على مساحة معظم البلاد العربية، وبحكم معاشرتي وعلاقاتي مع أهل تلك اللغات (العربية) الدارجة، صار بإمكاني القول إنني أفهم تقريبا الشعر باللغة العامية من أيّ شاعر من شعراء الوطن العربي.. وأريد بداية أن أوضّح أمرا هامّا:

هنالك فرق بين الشعر (باللغة الدارجة) كما سمّي في مجلة شعر، ويمكن أن أضع التسميات لهذا الشعر كما تعارف أهله عليه أقصد الشعر العامي الحديث:

ففي مصر يسمّى الشعر العامّي وفي سوريا ولبنان الشعر باللغة المحكيّة، وفي بلاد الجزيرة العربية الشعر النبطي، وفي ليبيا وتونس والجزائر يسمّى الشعر الملحون، أما في المغرب فقليل من يسميه الملحون والمعروف في تسميته هو الزجل ( وكلمة الزجل موجودة في كل الشعر الشعبي في البلاد العربية ). وأقول عن معرفة حقيقية بالتيّار الشعري الحديث، المكتوب باللغة الدارجة في بلاد المملكة المغربية، إنه رغم بقاء اسمه "زجل"، فإنّ التجربة الشعرية الحديثة في المغرب في رأيي من أهمّ التجارب الشعرية العربية وربما تتفوق على تجربتي جارتيها الجزائر وتونس، وهذا ليس عائدا للإعلام ولكن لعدم تشكل نخبة من شعراء موهوبين اتخذوا خطا لهم في لغتهم الدارجة واشتغلوا على تطوير القصيدة وعصرنة لغتها ونزع الموحش المحلي منها كما فعل بعض شعراء ليبيا وبعض شعراء المغرب، وكذلك بعض شعراء دول الخليج وباقي الشعراء في أقطار العرب .

(( إلا أنني أخيرا تعرّفت على تجارب شبابية تونسية جعلتني أعيد النظر بحكمي، لكنني ما زلت أعتقد أن الأمر مجرد محاولات فردية لم تمتدّ كتيّار كما هي في مصر أو المغرب، وأقصد تيار الشعر باللغة الدارجة أي القصيدة الحديثة من حيث الشكل والمضمون )).

فأكثر ما عرف من التجارب العربية- من خلال الإعلام- الشعر العامي المصري وبعده الشعر العامي اللبناني (الذي يطغى بلهجته على كل بلاد الشام إلى حد أن يكتب شاعر فلسطيني فصحوي كبير وهو الشاعر عز الدين المناصرة شعرا عاميّا باللهجة اللبنانية وكذلك أكثر شعراء سوريا هذا عن الشعر باللغة المحكية، أما الزجل ومذاهبه، فالشعر باللهجة اللبنانية تقريبا مسيطر على بلاد الشام إلا قليلا لا يذكر). أما الشعر النبطي فهو ليس كما يظنّ البعض شعر دول الخليج فحسب، بل هو شعر كلّ قبائل البدو التي تسكن بلاد الشام وسيناء والعراق أيضا، وحتى بعض الحضر رغم لهجتهم المتخلصة جدا من لهجة البداوة نجد أن ما يكتبه شعراؤهم يأخذ نمط القصيدة النبطية بلهجتها، كبعض شعراء جنوب سوريا من الدروز .

بعد هذه المقدّمة أريد أن أضع مصالحة تكون في صالح الشعر الخالص، وأقصي نفسي والشعر فيها عن التعصب الذي نراه بين شعراء الفصحى وشعراء العامية الذي يعلو صوته أحيانا، فيتمترس كلٌّ خلف آرائه ويهاجم الطرف الآخر معيبا عليه أو منتقصا منه، وتكون المعركة دائما في صالح شعر الفصحى لأسباب عديدة أهمها السلطات السياسية والإعلامية التي تتبعها، ومن ثمّ ظهور التيارات الدينية واعتمادها اللغة الفصحى ووضعها بمصافّ العقيدة، كما نهج كثير من السلف في العصور الإسلامية السابقة.

تظل اللغة العربية من الناحية السياثقافية والدينية لغة منتصرة تحت شعارات، أهمها الدين والقومية العربية.. وبعد أن انتصر تيّار الحداثة الشعرية في القرن العشرين، تأثّر شعراء العامية المتميّزون بمواهب شعرية فذّة في كل أقطار الوطن العربي، وابتدعوا للقصيدة العامية طرقا تعتمد التفعيلة، وأبدعوا في مجالها مخلّصين القصيدة من أساليب الشعر القديمة وأغراضها. منهم من اشتغل على اللغة وفيهم من اشتغل على الموضوع، وكانت جنبا إلى جنب مع القصيدة الحديثة بأن رافقت التيارات السياسية وأخذت بالقضايا الوطنية التحررية وقضية فلسطين القضية العربية المركزية.

وهذا المنحى لم يكن يروق لكثير من رواد الحداثة الشعرية وأهملوه، كما أهملوا كثيرا من شعر الفصحى الذي سار على نفس الطريق متخذا الشكل الحديث للقصيدة الفصيحة.

ولو عدنا لحركة النقد واهتمامها بالشعر الحديث لما وجدنا إلا النادر جدا، ولم أقرأ لناقد مهمّ كتب عن الشعر العامي أو خصص له حيّزا في كتاب، سوى الكاتب الناقد غالي شكري في كتابه شعرنا الحديث إلى أين، حيث تناول الشعر العامي وخصّ شاعرين بكلمات أكثر … هما الشاعران اللبنانيان ميشال طراد والشاعر عبد الله غانم، وبعدها انصرف عن الشعر العامي، ولكنه فتح بابا للاهتمام بالشعر العامي الحديث. وما أظن أنّ هناك من تابعه، وما كتب من دراسات ومن كتب في الشعر العامّي برأيي الشخصي، أخذ طابع الجمع والمدح وعلى نطاق ضيق ولا يرقى إلى مستوى النقد الحقيقي للشعر.


***

القصيدة القديمة والقصيدة الحديثة في الشعر العامي :

بعجالة يمكن القول إن القصيدة الشعبية القديمة ظلت قاسية على نفسها في الوزن والقافية إلى حدّ أنّ الشاعر لا يمكن أن يبرز باختيار قافية لصدر البيت وقافية لعجزه.. وظلت القصيدة الشعبية تحمل أغراض القصيدة العمودية القديمة فقصيدة رثاء وقصيدة غزل وقصيدة للمديح وأخرى للهجاء إلى آخره..

ولمتابع الشعر النبطي ظلت القصيدة متأثرة بأمها القصيدة القديمة مبتدئة بوصف الناقة أو الفرس معرجة على الغزل لتصل إلى المدح أو إعلاء شأن القبيلة وهجاء قبيلة أخرى .

أما الشعر الشعبي الحضري، فكانت القصيدة في عمومياتها قصيدة الهموم اليومية للناس والشكوى من الأوضاع الاجتماعية، وقصائد الحبّ والغزل والشكوى من الفراق.. وما تجدد منها لم يتجدد في مفهوم الشعر بل كان التجدد تبعا لمتغيرات الحياة وتطورها، فتبدلت الأدوات بتبدل مسمياتها فظن من يصف القطار أنه جدّد في الشعر، وكذلك من ركب السيارة بدل الحمار وكتب عن هذه الوسيلة السريعة التي تسابق الريح، وكذلك من كتبوا عن تغيّر عادات الأكل واللباس وغيره، حتى صار الناس يقولون هذه قصائد حديثة، وانقسم الناس؛ فمنهم من ظلّ يعتبر القصيدة القديمة بجزالة اللفظ وقوّة المعنى واستخدام الكلمات القاموسية التي لا تفهم، وآخرون تقبلوا القصيدة الحديثة المواكبة لحياتهم اليومية، وبهذا ظلّ الشعر في حالته الوظيفية الاجتماعية، وظل قربه من الناس بقدر ما يسلي وخاصة الشعر الذي يمكن غناؤه بشكل جماعي.

عند تيار كبير من الشعراء، يجب أن تكون القصيدة باللغة الدارجة الحديثة ملاصقة لهموم الشعب وحياته ومشاكله الاجتماعية والسياسية، والقصيدة التي لا تحكي هموم الوطن والناس لا حاجة إليها..

وإذا اعتبرنا أن هنالك قضايا إنسانية شغلت الشعر منذ عرفه الإنسان، كقضايا الحبّ والفقد والفقر والموت وغيرها، كانت تلازم الشعر منذ بدائية اللغات حتى تطورها وتشعبها إلى فصحى وعامية، إلا أن الشعر الحديث الذي تأثر به العرب من الغرب خلق ثورة في الأسلوب وثورة في الجملة الشعرية وثورة في اللغة ذاتها، وتغرّب واغترب عن متلقيه فضلا عن محيطه واقتصر في بداية ثورته على نخبة وسلك مسلك الغموض، مما زاد في غربته حتى عن كثير من النخبة، ولكنه حفر له مجرى في وجدان الجيلين الثاني والثالث، وبانتشار التعليم عمّ الشعر الحديث وازداد تمرّد الشعراء، وصولا إلى قصيدة النثر وساعد في ذلك حالة التفكك وإمساك شعراء متمكّنين من قصيدة النثر إدارة الأقسام الثقافية في الصحف وظلّ الصراع قائما وسيستمرّ.

القصيدة العامية الحديثة بسبب عدم اهتمام السلطات والإعلام بها، ظلّت بعيدة عن الصراع الدائر وبالتالي لم تشكل مشكلة لدى شعراء الفصحى، وحالف الحظ قليلا من شعراء العامية إعلاميا فنالوا من الشهرة ما ناله بعض شعراء الفصحى..

وظل تيار القصيدة الحديثة في اللغات الدارجة يمشي على استحياء رغم الإبداع العظيم الذي كتبه بعض شعراء العامية في الوطن العربي، ومما يزيد العقدة العربية أن شعراء الفصحى دائما ينظرون لأنفسهم بأنهم الشعراء الأحقّ بالصفة، وسلاحهم أنهم يكتبون بلغة القومية العربية لغة الدين ولغة السياسة ولغة الطبقة المتعلمة من الأمّة.. بينما شاعر العامية يعتبر نفسه شاعرا ومبدعا وأحيانا يكون مثقفا ويمتلك لغة أخرى أو عدة لغات غير العربية ويعرف عن الشعر أكثر من مئات بل آلاف يكتبون الفصحى ومع هذا يشعر بعقدة زملائه شعراء الفصحى وهم يفضلون أنفسهم عليه شعريا.

وإذا كان شعراء كبار يصرحون في المقابلات بأن الشعر العامّي شعر حقيقيّ ويحبّونه ويثنون عليه، فهم يفعلون ذلك وفي قلوبهم تربة كفر بشاعر العامية وبشعره وربما تربة الحقد أيضا.

الشعر العامي الحديث هو شعر حقيقيّ وابن الحياة على الأقل من جهة اللغة المحكية، وكثيرا ما سمعت من كبار الشعراء وغيرهم من أهل الكتابة تساؤلات فحواها:

هل يمكن للشعر أن يندثر وينتهي كلون أو كجنس أدبي بين الناس؟ وتأتي الإجابات أنّ الشعر يمكن أن ينتهي ويصبح في التاريخ، ولكنّ رأيي: لا يجيب على هذا السؤال بالإيجاب إلا شعراء الفصحى، لغربتهم من ناحية اللغة الشعرية والفكرية عن محيطهم وعن أقرب الناس إليهم ( وهذه أزمة ثقافية لا حل لها والأمة كلها بأزمات ثقافية والدين أحد أهم أسبابها لاعتبار اللغة كلام الله والله لا يبدّل كلماته )، وأنا أطمئن الإنسان أينما وجد، أن الشعر لا ينتهي وسيظل رفيقا لوجدان الإنسان وقلبه ومشاعره ولكن ليس كما يتوهّم من يصنّمون اللغة ويتعبّدونها، ولا كما يظن شعراء الفصحى الذين يعيشون بأزمة أو بأم الأزمات، وذلك أنهم دائما مقموعون بتاريخ لغوي نفسي وأنهم تحت سقف لا انفلات لهم منه ألا وهو سقف القرآن الذي يعتبر معجزة البيان والكلام في اللغة العربية الفصحى كونه كتاب الله وكلامه، ومهما حاولوا نبذه بالإلحاد أو بالإعراض عنه فهو فوق رؤوسهم مخيّم كالسماء، محيط بهم وبعقولهم وبوجودهم وبغيبهم متجذّر في أعماق النفوس، وبالتالي هم في قرارة أنفسهم يحملون عقدة لا شفاء منها مهما قاموا بثورات وبتفجيرات للغة وباللغة، فهو مهيمن على مواهبهم ولا يعرفون للخلاص سبيلا، ويمكن أن نحسب لهم تلك الإشراقات وتلك الإبداعات التي يجترحونها وهي تصبّ في بركة العصيان والمعارضات والتمرد، ولكن تمرّد الوحش في قفص محكم، وبالتالي يجدر بهم أن يُعاملوا بالاحترام المشبّع بالشفقة أكثر من الاحترام الذي يتصف به خالق مبدع لا قدير عليه.

شعر العامية الحديث ( طبعا لشعراء مواهبهم عظيمة وفذّة فقط ) هو الشعر المنفلت من الأقفاص ومن القيود ومن حركات التشكيل، ومن النحو، ومن كل عقد داخلية أو منصبّة من علٍ، والشعراء الكبار أقصد شعراء اللغات العامية الذين آمنوا بها لا يعيشون وفي نفوسهم عقدة النص المعجزة، إنهم يعيشون بلا سقف وبلا حدود وبلا قيود سوى قيود أن يبتدعوا إعجازا يليق بالإنسان كسيد للكون والطبيعة والحياة، فإن استطاعوا الإعجاز الشعري فقد بلغوا سقفا جديدا من الصعود اللامتناهي، وهذا سقفهم حدَّهم عنده الموت، ويأتي شعراء بمواهب عظيمة ويسجلون قفزات أعلى وهكذا كسلسلة من الصعود تشبه الإنسان بل هي الإنسان في كونه وكينونيته وكونيته أيضا، أقول هذا بنوع من التفاؤل وبإحساس شعري خالص، ولكني كقارئ للشعر الفصيح والعامي أكتب هذا بدافع من حلم متمرّد على رائيه، لأنني أعدّ شعراء العامية العظماء على أصابع يديّ كما أعدّ شعراء الفصحى على يد واحدة وأعني أنّ الشعراء شعراء القصائد لا يعدّون ولا يحصون بالفصحى وباللغة الدارجة، أما الشعراء شعراء الحياة الإنسانية المؤمنة بذاتها إيمان إبليس بربّه الذي خرج عليه فهم أمل الشعر الذي لا يزول.

الأحد، 26 أبريل 2009

محمود درويش شاعر فلسطيني عربي إنساني


لقد كان صديقي الحميم جدا رحمه الله توفي قبل أشهر (جودت السعد) الفلسطيني البعثي العراقي الذي أمضى ردحا طويلا في العراق وعاد بعد التسعينات إلى الأردن وتقرب من البعثيين السوريين وعلي عقلة عرسان وبنفس العقلية البعثية التعبوية كان يتعامل مع الثقافة وله كتاب مهم عن الشخصية اليهودية وهو مغرق في عدائيته من اليهود كيهود حتى الأجنة في بطون أمهاتها وقد كتب ضد محمود درويش كتابا عن صداقاته وعن آراء الإسرائيليين فيه وعن تارخه السياسي ومواقفه الراكاحية وعما يكتب عنه في إسرائيل وعن آرائه تجاه دولة إسرائيل وهذا ما أغضب درويش أو لأقل أن درويش غضب عندما نشر جودت السعد مقالا في الدستور الأردنية من مثل هذا (حسب ما روى لي المرحوم جودت السعد) ولكنه لم يرد عليه وكان جودت السعد يقول لي رأيه السياسي لا الشعري في درويش قبل أن يؤلف الكتاب في سوريا حيث سكن أخيرا بالقرب من علي عقلة عرسان وكنت أوافقه على أشياء وأرفض أكثر الأشياء وعندما صدر كتاب (غادا فؤاد السمان) وليست (غادة السمان) إسرائيليات بأقلام عربية اتصل بي الشاعر الصديق عز الدين المناصرة طالبا أن أحضر له الكتاب من سوريا وفعلت قرأت الكتاب وأعرته للمرحوم جودت السعد الذي وافق على كل ما فيه وأنا أفهم موافقته فهذا يتفق مع رأيه مسبقا ولكن الدكتور عز الدين المناصرة يريد أن يعرف ما في الكتاب إلا أنه أكبر من أن تنطلي عليه سطحية الكتاب وغايته الأنانية الصغيرة ولم ألتق به كي أعرف رأيه بالكتاب أما أنا رأيي في الكتاب فهو كلمة يلتبس فيها الحق ليراد بها الباطل وعلى المستوى المنهجي فهو ضعيف جدا وصاحبته شاعرة دمشقية في الثلاثينيات من عمرها تكتب قصيدة النثر ولكن ليس بإبداع وتريد أن تحقق لها حضورا في الساحة الشعرية وترى أن من حقها ذلك والحال ليس أفضل من حالها وهي شابة (أيامها) تتمتع بجمال وأنوثة وجرأة وكمية من التحرر الشكلي تحقق لها حضورا في الوسط الثقافي الذكوري في سوريا ومن ثم في لبنان فتناولت سميح القاسم وفدوى طوقان ومحمود درويش متوقعة أنها تفجر قنبلة إعلامية تجعلها على كل لسان من الشهرة ولكن لم يكترث فيه كونه كما أسلفت بعيد عن المنهجية العلمية وكونها تتناول رموزا من أهم رموز الشعر الفلسطيني والعربي بآلية خمسينية القرن الماضي وما سبق وقد شبهتُ الكتاب حينها واصفا صاحبته بأنها واضعة إصبعها في .. أذنها وتصيح محمود درويش شاعر كبير ومثقف كبير أيضا ومن حقه أن يكتب شعره متكئا على ثقافته الموسوعية ويستخدم ما يشاء من الأقنعة التاريخية التي امتلكها وهو حر في ذلك أما أن نرفض ذلك من الناحية الفكرية والإيديولوجية فهذا أيضا من حقنا ومحمود درويش لا يطالبنا بقناعاته الشعرية وإن توصل بعد هذه المسيرة الطويلة من النضال والكتابة إلى قناعة أن إسرائيل صارت أمرا واقعا ولا عقلانية بالتفكير في إزالتها ورميها في البحر بل في التعايش بسلام معها كدولة لها الحق بالوجود على أن تعترف بحق الشعب الفلسطيني بالوجود في دولة لها سيادتها فهذا ليس ما ابتكره الشاعر محمود درويش ولا ما انفرد فيه فهنالك شريحة كبيرة من الشعب الفلسطيني تؤمن بهذا وتقره وحتى مروان البرغوثي في مقابلة قبل أسره مع جيزال خوري أعلن عن هذا فلماذا يلام محمود درويش على موقفه السياسي وكلنا يعرف إيمان محمود درويش بعدالة قضيته وتاريخه النضالي والوطني وإن كان الشاعر فيه توصل إلى قناعات شعرية بفهوم كتابي بعيد عن حماس الشباب بحكم العمر وبإحساس من أن القضية أكبر من قصيدة حماسية أو خطابية والقضية قضية حسب مفهومي تتناول وجود الشعب والوطن بكليته وأن هذا الوجود يعبرعنه بغير الحماسيات الشبابية وبغير الشعاراتية فما المانع ولماذا تريدون من شاعر أن يكتب ما تريدون أنتم لا ما يريده هو بحيزه الشعوري والفكري إن أجمل شعر كتبه محمود درويش من وجهة نظري الشعرية هو شعره الأخير وكنت قد حضرت أمسية له في الرباط قبل سنتين ونصف وقرأ من شعره الحديث عهد وقد نشرت هذه القصائد في كتابه لا تعتذر عما فعلت ورأيت كيف تفاعل معه الجمهور المغربي النخبوي والمتوسط الثقافة وخاصة قصيدة الظل التي شعرت أنها من أروع ما كتب درويش من قصائد بالمعنى الشعري الصافي من وجهة نظري الشعرية يا أخوان محمود درويش شاعر وليس شاعر محكوم بالجغرافية والإيديولوجية فحسب بل محكوم بانتمائه الإنساني والثقافي أيضا ويحق له أن ينظر كما نظر السيد المسيح إنما في النهاية محمود درويش لا يحق لأحد بالمزاودة على وطنيته وعلى تاريخه وإن أراد أحد أن يصفه بالردة فهذا عين ما تريده الخطة التي وضعت قبل قرن ونيف لتدمير هذه الأمة وبخاصة قتل مبدعيها (وما أغبى الأمة التي تقتل عظماءها) ومبدعيها (وإن الأمم الغبية تفعل بعظمائها فعل الأطفال بالدمية تلعب بها حتى تضجر فتحطمها في النهاية) فهل نحن من تلك الأمم ؟