نوفرة شامية
دمشق
شاهر الخضرة
إلى الشاعر المجدد الكبير يوسف بن رزوقة بعد قراءتي لشعره
في جلسة مع نخبة من المفكرين والشعراء تشعبت بنا السبل في أن يقول كل منا رؤيته وتوجهه في الشعر مكتوبا فكانت لي هذه الورقة السريعة :
لست أستاذا على أحد ولا عضوضا بحكم الفهم فلكل قارئ مزاجه وخلفيته الثقافية فما في الدنيا بخيل كما يقال فمن لا يجود عليك يجود على غيرك والجود ثمة مصالح نفسية فيه مادية أو معنوية والمصلحة والإرادة قطبا الإنسان الفرد والمجتمع ، أقول هذا الاستهلال وأنا ربأت بنفسي أن أضعها بين ظفري المصلحة بوجهيها مع أنني غارق حتى قمة رأسي شعريا في بحر المصلحة النفسية " شعريا " فعندما قرأت في منتدى القصة العربية نصا إبداعيا لاحظت قراءة بعض الأخوة للنص ليست في مصلحة النص الحقيقية كما هو عليه وكما أقرأ الشعر رغم مشاغلي التي تحول بيني وبين الكتابة عموما والتعليقات الذاهبة أدراج الرياح فقد قدمت رأيي أو مداخلتي حول تفكك النص وعدم عثور القارئ على روابطه أو وحدته وهذه قراءة صعبة تتطلب التركيز والجهد والتمثل أي تمثل الكتابة الشعرية وكأن القارئ يقرأ ويكتب النص ثانية ليولد قراءة تخص القارئ والنص وليست القراءة النهائية ولكنها كقراءة تزيح الفجوات التي هي من طبيعة القصيدة لتلحمها سردا ، لتلين عريكتها وتهدأ عن جموحها وتقبل الضوء الذي يجفلها ويجفل شاعرها أحيانا إما بسبب مخالفة القراءة لما قصد الشاعر من رسالة أو بسبب إرادته في التغميض إن لم يكن في التعمية ولذلك فقلة من الشعراء الحقيقيين من يعترفون بأن القارئ سبر أعماق القصيدة وتماس مع أعماق كاتبها وهؤلاء القلة من الثقة بالنفس وبالشعر وبالقارئ أيضا .
المكان الحقيقي للنشر الأولي في عالمنا عالم المجاملات والحياء هو وضع نص لا نعرف صاحبه على المشرحة وبما أن الدكاترة المشرحين باتوا يعرفون ملامح أجساد مرضاهم ورائحة رشح عرقهم فباتوا أو عليهم أن يؤدوا مهمتهم كطبيب ويمضوا ، ولكني أتحدث في عالم مثالي أو أكاديمي نزيه وهذا النادر لا حكم عليه ولا قياس به كون النفس البشرية خليط من العواطف السلبية والمثالية ولست ممن يدعون البراءة من المثالب النفسية في تعاملي مع النصوص كما مع أصحابها فلربما نستر عيوب نص لكاتب نحب وننأى بالقارئ إلى الضوء المشع في النص وإن لم يكن موجودا فنشعل الفتائل الخفية في الكلمات أو نجعل القارئ يتخيلها إن لم تكن موجودة وهذا عين الخداع في النقد والقراءة ولكن ماذا نفعل والمصلحة بظاهرها وباطنها توجه الكتابة ومن لا يحس أننا نعامل نصه كما أقول فالمشكلة كامنة كمون رهبنة بين العقل والقلب ، وكون الطبيعة البشرية لا مناص من الامتثال لنواميسها ، أجدنا مذبذبين حسب مرورنا بقوى الجاذبية التي تحتويها النصوص والجاذبية كما في معرفتي العلمية المتواضعة قوتان قوة الجذب وقوة النبذ ، وفي جسدي أيضا ككل الأجساد هاتان القوتان من النبذ العقلي والجذب القلبي وما في تلاقي أو تصادم تلك القوى متعاكسة أو متوافقة فإن متعاكسة تحدث الشرارات الكهربية التي تولد بروقا وتحدث رعودا وتفجر صواعق بين فعاليتي الجذبين والنبذين ورغم ذلك قد يهطل المطر وفيه خِيرٌ وفير ، وإما بالتوافق فيقع الجذب على الجذب والنبذ على النبذ فيتلاقون لقاء التوتر الذي يتخاذل ويتراخى وتولد البرودة وينحل سر كل فعالية إلى التلاشي فإما الموت وإما التنائي ليبحث كل عن جوّ يعيش فيه خانقا كان أو وسيعا خواؤه كطبل .
**************
ليس من طبعي الشعري ( فقط ) أن أقرأ الشعر لأتسلى أو أتحلّى أو أرشّه على جرح أو لأنفخه كنهدة على جلد مزاج متقرح فقد يمتع الغناء بصوت جميل أكثر وقد يكون عصفور لا يرجى فهم زقزقته أخف ، أو حتى فحيح أفعى في فخ أشنف، لقد قرأت شعرا يوما وترك لدي تراقصا في الأحاسيس وانطباعا فيها كما تترك خلاعة مؤخرة راقصة من الشهوة وقد تعصى على النسيان في الذاكرة ولكني بعد عمر طويل من خبرة في الجسد جعلت العقل يضخ كما القلب طاردا ترسبات الرمل الدموية إلى الأسفل لتجد لها مخرجا بفصد أو بإرادة عضلة ما ، ورضيت لهذا العقل ما وصل إليه من وضاءة ارتضاها لفكره فرفعت ما يسمّى الذوق من حالته العفوية حد السذاجة أحيانا إلى مكانة الفكر نازعا عنه براءته ليكون ذوقا مركّبا جذوره العقل وفروعه وقطوفه تمتد من الفوق إلى الأدنى في القلب كما نبتة النيلوفر ، متمثلا ذوق الصوفية التي يُظن في ظاهرها أنها تعتمد القلب في تذوق الكلمات ولكنها رفعت القلب إلى طبيعة العقل وضخت في العقل ما للقلب من قوة في العشق الإلهي فخلص الجسد من ثنائيته التي "تعشش في البدائي" وصار أحدا في استقبال النور كما في استقبال الظلمة ، ولعل هذه الأحدية مازالت لي هدفا أثابر في تحصيله ، بكل قناعة أن الربح في هذا ربح لا يعني الكثرة ، والقلة إن رأته فلا تزيده طولا ولا عرضا .
هذا السجن سجن اختياري يروق لي أكثر بآلاف المرات من باحة السجن أو من خارج أسواره لا لأني لا أعشق الحرية بل لأن الحرية هي حرية الاختيار في انطلاق العقل لا في انطلاق الأقدام الحافية ، بناء على هذه الغربة والغرابة كسرد عن سيرة خاصة شاذة أو مألوفة للقليل صرت أقرأ الذي يصعب فهمه وأجهد الذات وأبذل الوقت تلو الوقت لأرتقي بالعقل أو بالنفس لمكانة عقل ما أقرأ فقد أصل وقد يخذلني الظرف فضلا عن المكنة الذاتية ولكن لا أقبل الهزيمة وكدأب نملة ترقى جدارا أناضل وأناضل فإما ينفتح النص وإما أحيله إلى نضوج قادم للعقل .
الشعر أيها القارئ الكريم يشبه مساحات المياه على الأرض ، الجدول يشبه خلية في جسد والنهر عدة مسامات وبحيرات كذلك وبحار تشبه عضوا فيه ولكن خضم المحيطات هي أس الكون المائي لتوازن الحياة على الكوكب ، فليس كل سابح مطلوب منه أن يمخر أخطار العباب وعلى من لا يجيد السباحة أن يبقى متنزها على ضفاف ضحل المياه ، فمن غير المعقول أن نضع الفتوحات المكية لمحي الدين ابن عربي ورسائله في مصاف شاعر كأبي الشمقمق مثلا ولا رسالة الغفران للمعري وقرآنه ولزومياته في مرتبة البوصيري أو حسان بن ثابت ولا شعر نيتشه وجوته كريلكه فالشعر برأيي وقناعاتي التي لا ألزم أحدا بها ليس ما يحبه عدد الناس فقط ونحن العرب لم نصل إلى فصل الغناء عن الشعر وإن كان الغناء جزءا من الشعر ونحن العرب ما زلنا نعتقد أن الشعر من الشعور وهذه الملكة التي لا يختص بها أحد عن أحد فهذا أبو العلاء يقول :
جسدي خرقة مشدودة إلى الأرض * * * فيا خائط العوالم خطني
وهذا شاعر يقول :
أحبها وتحبني ويحب ناقتها بعيري
الكل شعراء عند الناس ولكن العقل هو من يجعل القارئ الرفيع يقول هذا شعر بالمعنى الساذج وذاك شعر يوازي العقل في كل الأجيال مهما ارتقت المعارف والحضارات وتقدمت العلوم وتفتحت العقول بالتطور ، ومع ذاتية القول والمزاج لا أشجب رأيا في شعر لمزاج آخر ، فإنني لست مدرّسا ولا مربّيا ولا شيخ كتّاب ، ولا منظّرا لمدرسة في الأدب والشعر ، إنها كما أسلفت آراء استجليت غربتها وغرابتها من كد يخصني لا لأقنع بها أحدا ولا لأجمع أصواتا عليها وتمثلي لها في كثير مما أكتب من شعر هي محاولات عقلية بقدر محاولة التفرد بقدر التوازي مع فلاسفة الشعر العظماء .
shaherkhadra@yahoo.com

